المشهد الاقتصادي يسوده الأفول والانحسار

0

مجلة كيو بزنس Q Business Magazine:

عاد الدافع الائتماني العالمي للهبوط مجدداً، لاسيما في اقتصاديات الأسواق المتقدمة. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى تطبيع السياسة النقدية. ويعتبر تباطؤ الدافع الائتماني نذيراً بتوجه النمو والطلب المحلي نحو التباطؤ ما لم تتفق الاقتصادات الكبرى في العالم على اتخاذ خطوات منسقة على نطاق واسع في عام 2019.

“تزداد مؤشرات هبوط الاقتصاد الأمريكي، مما سيدفع بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو إيقاف مؤقت لسياسته النقدية خلال الربع الأول من عام 2019 على أقل تقدير، وربما لفترة أطول”

“تعتبر الصين المساهم الإيجابي الرئيسي في الدافع الائتماني العالمي”

“الانخفاض إلى مستويات تلامس الصفر، بدون الصين”

Christopher Dembik

بقلم: كريستوفر ديمبيك، رئيس قسم التحليل الشامل لدى “ساكسو بنك”

عاد الدافع الائتماني العالمي — المشتق الثاني من نمو الائتمان العالمي والدافع الرئيسي لعجلة النشاط الاقتصادي — إلى الهبوط مجدداً عند 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي قياساً بـ 5.9% في الربع السابق. وفي الوقت الراهن، ظهر تباطؤ الدافع الائتماني في نصف الدول التي شملتها عيّنة الدراسة، وتمثل 69.4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ومع بعض الاستثناءات الواضحة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والمملكة المتحدة، يبدو الدافع الائتماني أكثر بطئاً في الأسواق المتقدمة بينما تشهد الأسواق الناشئة زيادة كبيرة في تدفق الائتمانات الجديدة. ويمكن النظر إلى الدافع الائتماني الأعلى في دول الأسواق الناشئة باعتباره نتيجة مباشرة للتدابير المتخذة لدعم النشاط الاقتصادي في مواجهة الرياح المعاكسة المستمرة (انخفاض السيولة وارتفاع تكاليف التمويل بالدولار، وظروف التمويل المتدهورة).

وفي الجهة المقابلة، يرجع الاتجاه السلبي الأكثر وضوحاً في دول الأسواق المتقدمة إلى تطبيع السياسة النقدية. وفي منطقة اليورو، لا يزال الدافع الائتماني منخفضاً إلى مستويات تلامس الصفر، مما يشير إلى انطلاق دورة ائتمان جديدة تتسم بمستويات أعلى من التقييد. وينذر وضع الدافع الائتمائي العالمي بتباطؤ حتمي لمستويات النمو والطلب المحلي، نظراً لارتباطهما بشكل كبير مع الدافع الائتماني، ما لم تتفق الاقتصادات الكبرى في العالم على اتخاذ خطوات منسقة على نطاق واسع في عام 2019.

الصين، المحرّك العالمي للائتمان

كما هي الحال في الربع السابق، تعتبر الصين المساهم الإيجابي الرئيسي في الدافع الائتماني العالمي. وسيؤدي استثناء الصين إلى اقتراب الدافع الائتماني العالمي من مستويات تلامس الصفر. وتمثل المحفزات الصينية 34% من النمو العالمي، وهو ما يعادل مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة اليورو مجتمعة، وحوالي 70% من نمو التصنيع في الأسواق الناشئة الآسيوية. وقد شهد الدافع الائتماني الصيني انعكاساً نحو الارتفاع عند 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع السابق، وهو أعلى مستوياته منذ عام 2013، مع انخفاض طفيف في الوقت الراهن عند 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

ونتوقع أن يحافظ الدافع الائتماني على قوته في الأرباع المقبلة بالتوازي مع تركيز الصين على التوجه نحو توفير دعم اقتصادي أكبر للتخفيف من تأثيرات الحرب التجارية. وربما يتم استبعاد مسألة المحفزات المالية والنقدية عن طاولة النقاشات جراء مخاوف صناع السياسة حيال مدى استقرار اليوان. ومع ذلك، يبدو احتمال سياسات جديدة لفتح الأسواق، بما في ذلك تخفيض الرسوم الجمركية على المزيد من السلع، وتخفيض نسبة متطلبات احتياطي البنوك، مرتفعاً خلال الربع الأول من عام 2019.

كل دولة على حدة: إلى أين نحن متجهون؟

مخاطر الهبوط في المملكة المتحدة لا زالت مرتفعة

لطالما وصف الدافع الائتماني في المملكة المتحدة بالبطء الشديد قياساً ببقية الدول في الأسواق المتقدمة، لكنه عاد إلى الحدود الإيجابية في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، يبقى الدافع صغيراً، وما زال الأمر مبكراً جداً لنشعر بالتفاؤل حيال الوضع الاقتصادي للمملكة المتحدة في عام 2019. ومن المتوقع أن يشهد النمو مزيداً من التباطؤ، على الرغم من بقائه فوق الإمكانات. وتشير كافة المؤشرات الرئيسية الأخرى إلى مخاطر الهبوط، حيث تتزايد المخاوف من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وللشهر الخامس عشر على التوالي في أكتوبر، انخفض مؤشر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الرائد للمملكة المتحدة، والذي تم تصميمه لتقديم توقعات حول نقاط التحول في الاقتصاد قبل ست إلى تسع أشهر مسبقاً. وبدأ سعر الفائدة على أساس سنوي العام عند -0.6%؛ ويبلغ الآن -1.34% – وهو تغير كبير على مدى 10 شهور! ونتيجة لانخفاض ثقة المستهلكين، ومنذ عام 2016، تم تتبّع انخفاض تسجيل السيارات الجديدة، والذي يعتبر مؤشراً رئيسياً على الحالة الاقتصادية بصورة عامة في المملكة المتحدة. وخلال هذه الفترة، انخفض تسجيل السيارات الجديدة إلى 2.3 مليون من 2.7 مليون – وهو انخفاض كبير بواقع 15% في غضون 20 شهراً. وازداد الاتجاه نحو الهبوط في الأشهر الأخيرة، حيث ارتفعت احتمالات مغادرة الاتحاد الأوروبي بدون صفقة.

وبالرغم من محدودية مخاطر الركود في عام 2019، إلا أن توقعاتنا بشأن اقتصاد المملكة المتحدة سلبية للغاية، لأن كل السيناريوهات المحتملة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون أسوأ من البقاء فيه.

الاقتصاد الأمريكي في طريقه للتباطؤ

كما أشرنا في السابق، ارتد الدافع الائتماني الأمريكي إلى 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي قياساً بـ -1.1% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع السابق. ويعود ذلك جزئياً لقوة الطلب على القروض التجارية والصناعية وعقود الإيجار منذ بداية عام 2018 وازدياد مستويات الثقة في الاقتصاد، والتي يتم التعبير عنها عبر قوة الاستثمارات الخاصة وارتباطها بإصلاحات ترامب الضريبية.

 ومع ذلك، لن تدوم هذه العوامل لفترة طويلة، ونتوقع انخفاض كلٍ من الدافع الائتماني ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. ولم تصل توقعاتنا حول الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي إلى مستويات الإجماع عند 1.9% هذا العام. ويشير ارتفاع معدل التباطؤ في سوق الإسكان، وهو نذير موثوق به للاقتصاد العام، إلى جانب الانحدار الواضح في منحنى العائدات إلى أن الاقتصاد ليس بالقوة التي تعتقدها الإدارة الأمريكية.

وعند البحث في البيانات، يبدو أن الخوف من ارتفاع أسعار الفائدة يشكل واحداً من الاهتمامات الرئيسية للعائلات الأمريكية. وعلى الرغم من عدم تأثيرها الواضح على الاستهلاك حتى الآن، حيث أن ثقة المستهلك هي في أعلى مستوياتها، ستخيم تأثيراتها السلبية على مبيعات التجزئة وتدفقات الائتمان عاجلاً أم آجلاً. وقد بدأنا بالفعل رؤية نقاط ضعيفة مثل الانخفاض في مبيعات المطاعم منذ الصيف الماضي، مما يشير إلى أن المستهلك الأمريكي ليس في حالة جيدة كما يبدو. وتتراكم مؤشرات هبوط الاقتصاد الأمريكي، مما سيدفع مجلس الاحتياطي الفدرالي نحو إيقاف مؤقت لسياسته النقدية خلال الربع الأول من عام 2019 على أقل تقدير، وقد تطول المدة ما لم يتحسّن الزخم الاقتصادي العالمي بقيادة الصين.

أستراليا في مرمى الاستهداف

لا يزال الدافع الائتماني في أستراليا في حالة انكماش بنسبة -1.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو على هذه الحال منذ الربع الثالث من عام 2016. ونجحت الدولة في تعويض خسائرها من الأزمة المالية العالمية بوتيرة أسرع من أي بلد آخر في الأسواق المتقدمة عبر تجميع الدين العام والمنزلي بوتيرة سريعة، ونتيجة لقلة الانكماش الائتماني قياساً بالولايات المتحدة الأمريكية؛ كما أعقبته فترة من التوسع الائتماني القوي حيث وصل الدافع الائتماني إلى نسبة مرتفعة عند 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمة.

ولكن النمو المدعوم بالدين لا يمكن أن يدوم للأبد، وأصبح الوقت مناسباً الآن لاسترداد رأس المال. لا بد وأن يشهد الاقتصاد الأسترالي في 2019 الكثير من المخاطر، حيث ستواجه الدولة تداعيات التباطؤ في الصين، وقد تضطر إلى التعامل مع شروط إقراض أكثر تقييداً وفقاً لتوصيات تقرير الهيئة الملكية (المقرر في 1 فبراير 2019)، مما قد يضيف مزيداً من ضغوطات الأسعار على المشهد العقاري في البلاد.

وفي العديد من المدن، مثل سيدني وملبورن، يتخطى تسديد الرهن العقاري منطقة الخطر (30% من متوسط الأرباح). ومن شأن أي انهيار سريع لأسعار العقارات أن يضع العديد من العائلات الأسترالية في مأزق، مما سيضطر بنك الاحتياطي الأسترالي للتدخل ودعم الأسعار، وليطرح بعدئذ تسهيلات كمية.

اليابان في طريقها نحو التباطؤ

يتخبط الدافع الائتماني الياباني في المنطقة السلبية منذ نهاية عام 2017، ويختبر الآن بعضاً من الانتعاش للعودة إلى مرحلة التوسع عند 0.07% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. وجاء هذا الانخفاض بعد نمو قوي للائتمانات دام عامين منذ 2016، مما ساعد في دعم الاقتصاد عبر الاستثمارات الخاصة والاستهلاك، حتى الآن.

وعلى مدى السنوات الماضية، وفي ظل قوة الين، أصبحت اليابان أقل اعتماداً على مستوى الطلب الخارجي، مما ينبغي أن يساعد في التخفيف من تأثير الحرب التجارية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل. ولكن الآن، ومع التراجع الكبير لدفق الائتمانات الجديدة، يجب أن نتوقع حجم نمو أقل في الفترة بين عامي 2019 و2020. وسيزداد النمو تباطؤاً جراء زيادة ضريبة الاستهلاك المخطط لها في أكتوبر 2019. ولكن، وكما هي الحال مع الارتفاعات السابقة، يرجح أن يكون الخطر على النمو سريع الزوال، لتتم ملاحظته بشكل أوضح في الربع الثالث من عام 2019. أخيراً وليس آخراً، لا يمكننا توقع الكثير من بنك اليابان هذا العام، نظراً لحاجته الدائمة للبقاء في وضع الاستعداد طالما لا يبدو التضخم قريباً.

 

Share.

Leave A Reply